ابن فضلان
55
رحلة ابن فضلان
--> فيفعل مثل ما فعل صاحبه ، ولا تزال ترفعها من واحد إلى واحد حتّى تديرها على جميع من في البيت ، وكل واحد منهم يمتخط ويبصق فيها ويغسل وجهه وشعره فيها ، وساعة موافاة سفنهم إلى هذا المرسى يخرج كل واحد منهم ، ومعه خبز ولحم ولبن وبصل ونبيذ ، حتى يوافي خشبة طويلة منصوبة لها وجه يشبه وجه الإنسان ، وحولها صور صغار ، وخلف تلك الصور خشب طوال قد نصبت في الأرض ، فيوافي إلى الصورة الكبيرة ، ويسجد لها ثم يقول : يا رب قد جئت من بعد ومعي من الجواري كذا وكذا رأسا ، ومن السمّور كذا وكذا جلدا ، حتّى يذكر جميع ما قدم معه من تجارته ، ثم يقول : وقد جئتك بهذه الهدية . ثم يترك ما معه بين يدي الخشبة ويقول : أريد أن ترزقني تاجرأ معه دنانير ودراهم فيشتري مني كلّما أريد ولا يخالفني في جميع ما أقول . ثم ينصرف فإن تعسّر عليه بيعه وطالت أيامه عاد بهدية أخرى ثانية وثالثة ، فإن تعذّر عليه ما يريد حمل إلى صورة من تلك الصور الصغار هدية وسألها الشفاعة ، وقال : هؤلاء نساء ربنا وبناته . ولا يزال إلى صورة صورة يسألها ويستشفع بها ويتضرّع بين يديها فربّما تسهل له البيع فباع فيقول : قد قضى ربي حاجتي وأحتاج أن أكافئه . ثمّ يعمد إلى عدة من البقر والغنم على ذلك ويقتلها ويتصدّق ببعض اللحم ويحمل الباقي فيطرحه بين يدي تلك الخشبة الكبيرة والصغار التي حولها ، ويعلّق رؤوس البقر والغنم على ذلك الخشب المنصوب في الأرض إذا كان الليل وافت الكلاب فأكلت ذلك فيقول الذي فعله : قد رضي عنّي ربي وأكل هديتي ، وإذا مرض منهم واحد ضربوا له خيمة ناحية عنهم وطرحوه فيها ، وجعلوا معه شيئا من الخبز والماء ، ولا يقربونه ولا يكلمونه بل لا يتعاهدونه في كل أيامه لا سيما إن كان ضعيفا أو كان مملوكا ، فإن برأ وقام رجع إليهم ، وإن مات أحرقوه ، وإن كان مملوكا تركوه على حالة تأكله الكلاب وجوارح الطير ، وإذا أصابوا سارقا أو لصا جاؤوا به إلى شجرة طويلة غليظة وشدوا في عنقه حبلا وثيقأ وعلقوه فيها ، ويبقى معلقا حتى يتقطع من المكث إما بالرياح أو الأمطار ، وكان يقال لي إنهم كانوا يفعلون برؤسائهم عند الموت أمورا أقلها الحرق ، فكنت أحب أن أقف على ذاك حتى بلغني موت رجل منهم جليل فجعلوه في قبره وسقفوا عليه عشرة أيام حتى فرغوا من قطع ثيابه وخياطتها ، وذلك أن الرجل الفقير منهم يعملون له سفينة صغيرة ويجعلونه فيها ويحرقونها ، والغني يجمعون ماله ويجعلونه ثلاثة أثلاث ، فثلث لأهله وثلث يقطعون له ثيابا وثلث يشترون به نبيذا يشربونه يوم تقتل جاريته نفسها وتحرق مع مولاها ، وهم مستهترون بالخمر يشربونها ليلا ونهارا ، وربّما مات الواحد منهم والقدح في يده ، وإذا مات الرئيس منهم قال أهله لجواريه وغلمانه : من